القائمة الرئيسية

الصفحات

الولاية في الزواج

 الولاية في الزواج

الولاية في الزواج

 الولاية في الزواج




مقدمة 

يعد الزواج حقا من الحقوق الشرعية التي منحها الله للعباد دعما للحياة وخدمة للإنسانية بغرض التعفف والابتعاد عن المنكرات والفواحش، وهذه القيم تجسد البعد الديني للزواج. أما البعد الدنيوي فهو متعلق بتكوين أسرة صالحة لخدمة المجتمع. لذلك وجب أن يكون الزواج مبنيا على أسس سليمة تحمي المجتمع من أي فساد. ويمكن القول بأن أهمية الزواج كمؤسسة قد انعكست على موضوع الولاية، فالولاية إحدى النقاط التي ما فتئت تلهب الجدال وتثير الحساسيات والتوتر لدى الكثيرين حيث كانت محل جدل كبير على مستوى المذاهب الفقهية التي اختلفت حول طبيعتها آنذاك، أما في المغرب فقد عرفت الولاية بضغط كبير من بعض الجمعيات النسائية ذات التوجه الحداثي تعيلا جذريا من خلال التغيير الذي عرفته مدونة الأحوال الشخصية حيث تحولت من شرط صحة في الزواج إلى حق من حقوق المرأة الراشدة لها أن تستعمله أو تزوج نفسها بدونه.

والولاية في اللغة هي : النصرة، والولي هو النصير لقوله [ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا]. فولي اليتيم الذي يلي أمره ويقوم مقامه بكفايته، وولي المرأة الذي عقد النكاح عليها.

أما اصـــــــــــطلاحا : فالولاية هي سلطة تجعل لمن تثبت له القدرة على إنشاء التصرفات القانونية وتنفيذها نيابة عن المولى عليه وهي نوعان : الأولى تتعلق بشؤون نفسه فتكون ولاية قاصرة عليه وحده تتداخل مع الأهلية الأداء، والثانية تتعلق بشؤون الغير كأن يتصرف الولي في مال القاصر أو يقوم بحضانته وكذلك تزويجه فتكون بذلك الولاية متعدية وينقسم هذا النوع كذلك لقسمين : 

- ولاية على المال، وهي التي تجعل لصاحبها سلطة استثمار أموال المولى عليه وإجراء التصرفات القانونية الخاصة بها، بهدف المحافظة عليها.

- ولاية على النفس وتتمثل في الإشراف على القاصر في شؤونه الشخصية من حياته وحفظ وتعليم وتزويج، يتولاها الأقربون من العصبة الذكور فيما يخص الزواج.

وهذا النوع من الولاية هو الذي ينحصر حوله بحثنا إذ يتعلق ويتصل بإبرام عقد الزواج، حيث اختلف الفقهاء في طبيعة الولي في الزواج بين من يعتبر الولاية شرطا من الشروط الضرورية فيه ومن يرى أن الولي في الزواج ليس شرطا وينعقد صحيحا بدونه واعتبروها مجرد ولاية استحباب للمرأة العاقلة الراشدة وسبب الخلاف، أن الولاية هي رخصة مخولة لولي الزوج غير الراشد أو ولي الزوجة حتى الراشدة إبرام العقد إلى جانبها ومساندتها أثناء التعاقد دون الاستغناء عن تبادل الإيجاب والقبول بين الزوجين المعنيين، فصلاحيات الولي تنحصر فقط في مساندة الزوجة أثناء التعاقد ومساعدتها على معرفة ما إذا كان الزوج يصلح للزواج أم لا.

إلى أن الإشكال الحقيقي والواقعي الذي تطرحه الولاية، هو تحوير مفهوما حتى أصبح يضم الوكالة أو النيابة في طياته، أي تمثيل الزوجة أثناء التعاقد. حيث يتعدى الولي سلطانه فيصل الأمر إلى تزويج المرأة حتى بدون رضاها بما أن الأعراف والتقاليد لا تستحسن ظهور المرأة في مجلس العقد، الشيء الذي يفتح المجال أمام الأولياء للتجاوز.  

ولعل هذه الممارسات والآراء الفقهية المختلفة، هي التي انعكست على موقف التشريع المغربي في تعديل مدونة الأحوال الشخصية لسنة 1993 وصولا إلى مدونة الأسرة الحالية من الولاية.  



حيث سعى المشرع الأسري عبر مراحل الوقوف أما هذه الممارسات المعادية لحرية المرآة في الموافقة على الزوج من عدمه.

فما موقف التشريع المغربي من الولاية في الزواج قبل وبعد إصدار مدونة الأسرة ؟ وما العوامل التي تحكمت في هذا التغيير ؟ 

هكذا فإن دراسة موضوع الولاية في الزواج سينبني على التصميم التالي:

المبحث الاول: الولاية في الزواج في الشريعة الإسلامية

المبحث الثاني: الولاية في الزواج في التشريع لمغربي


المبحث الاول: الولاية في الزواج في الشريعة الإسلامية

 

        إذا كان الأصل أن الرجل يتمتع بولاية كاملة في العقد على أي امرأة شاء الزواج منها، فإن المرأة البالغة بكرا كانت أم ثيبا، قد اختلف الفقهاء في أمر ثبوت هذه الولاية  لها في ظل خلو الكتاب والسنة من نص صريح يقطع الجدل الدائر في هذه المسألة، لذلك نجد الفقهاء قد انقسموا إلى ثلاثة اتجاهات، اتجاه يشترط الولاية في عقد الزواج(المطلب الأول)، واتجاه يسقط الولاية في الزواج(المطلب الثاني)، واتجاه اتخذ موقف وسط بينهما(المطلب الثالث).

 المطلب الأول: اتجاه يشترط الولاية في الزواج

         حسب هذا الاتجاه، فالمرأة لا تعقد الزواج لنفسها بنفسها ولو أذن لها وليها بذلك، وأن الولي هو الذي يعقد الزواج لها.وإذا وكلت رجلا غير وليها لتزويجها كان هذا التزويج باطل والزواج المبني عليه فاسد، لأن الشخص- من الناحية القانونية- لا يمكن أن ينقل لغيره أكثر مما يملك. ويضم هذا الاتجاه كل من الإمام مالك والشافعي و أحمد بن حنبل.

وقد استدل الفقهاء الذين تبنوا هذا الاتجاه بآيات من القرآن الكريم مثل:

قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ (1)

وقوله كذلك: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يومنوا ﴾ (2)

ووجه الاحتجاج بالآيتين الكريمتين أن الله سبحانه وتعالى قد خاطب فيهما معا الرجال ولم يخاطب النساء، وكأنه يقصد بقوله لا تنكحوا أيها الأولياء مواليكم للمشركين(3).

 كما جاء في الكتاب الحكيم:"إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف"(4).

           فأصحاب هذا الرأي يرون أن الخطاب موجه للأولياء، وأن نهيهم عن العضل دليل قوي على أن الولي شرط في الزواج وإلا ما كان لعضله أي معنى آخر في الآية الكريمة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الآية 132 من سورة النور

(2) الآية 219 من سورة البقرة

(3) محمد الكشبور نفس المرجع السابق  الصفحة 300

(4) الآية 230 من سورة البقرة

          بالإضافة إلى استدلالهم بآيات من القرآن الكريم، استدل أصحاب هذا الاتجاه بأحاديث من السنة النبوية الشريفة، حيث روي عن عائشة رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:

 "أيما امرأة زوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها لها المهر بما استحل من فرجها، وإن استجاروا فالسلطان ولي من لا ولاية له"(1)

            وروي عن ابن ماجة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها"

        يستشف من الأحاديث أعلاه أن ولاية إبرام عقد الزواج قد حصره الرسول صلى الله عليه وسلم في الأولياء دون النساء.

         ويرجع سبب اشتراط الولاية في الزواج عند جمهور الفقهاء فضلا عن الآيات والأحاديث السالفة الذكر، إلى أن النساء مهما قيل في تهذيبهن، فإن فيهن جهة ضعف طبيعية  بارزة، وهي خضوعهن للرجال وتأثرهن بهم، وكذا عدم خبرتهن في الرجال الراجع إلى ابتعادهن عن مجالسهم وعدم حضورها، مما قد يدفعهن إلى الانزلاق والاغترار والانسياق وراء ميلهن الشهوي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري ومسلم عن الزهري عن عرة عن عائشة رضي الله عنها.

          وهكذا، يتضح أن هذا الاتجاه يرى أن الولي شرط في الزواج لا يصح إلا به، بحيث لا تعقد المرأة الزواج لنفسها بنفسها ولو أذن لها وليها بذلك، سواء أكانت بكرا أم ثيبا، رشيدة أو سفيهة، كان لها أب أو لم يكن. فإذا عقدت لنفسها فإن الزواج يفسخ قبل البناء وبعده، ولو طال، وولدت الأولاد، وحسب الفقه المالكي فهو زواج مختلف في فساده، والزواج المختلف في فساده لا يفسخ كقاعدة إلا بالطلاق ويلحق فيه الحمل دائما، ومن ثمة تترتب عليه بعض آثار الزواج الصحيح.

 المطلب الثاني: اتجاه يسقط الولاية في الزواج

خلافا للرأي السابق الذي يشترط الولاية في الزواج، ويرتب على تخلفها فسخه، يرى أبو حنيفة أن المرأة العاقلة البالغة لها الحق وحدها في مباشرة عقد الزواج لنفسها، بكرا كانت أم ثيبا، وإن كان لها أن تستأذن وليها. كما يرى أن الولي يبقى له وحده فقط الحق في الاعتراض على الزواج متى كان الزوج غير كفء، أو متى قدم لها مهرا لا يليق بمقامها، مادام أن الكفاءة حق يتقاسمه كل من المرأة والولي.

       وقد استدل الأحناف بآيات من القرآن الكريم حيث يقول الله تعالى في كتابه الحكيم :

   

              ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ (1)

ويقول كذلك:

     ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾ (2)

           فالخطاب في الآيتين أعلاه موجه إلى النساء وليس إلى الرجال، إذ هن المعنيات أساسا بإبرام عقد الزواج.

          كما استدلوا بأحاديث نبوية شريفة، حيث روي عب ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:

   "الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صمتها"(3)

         وتجدر الإشارة إلى أن داود الظاهري استدل بهذا الحديث فاشترط الولاية بالنسبة للبكر ولم يشترطها بالنسبة للثيب(4)، وهذا ما يستشف من   نص الحديث  أعلاه، غير أن الأحناف يرون أن استئذان البكر في هذا الحديث هي من باب الاستحباب والاستئناس فقط لا من باب الوجوب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الآية 288 من سورة البقرة 

(2) الآية 230 من سورة البقرة

(3) أخرجه الجماعة إلى البخاري

(4) ابن رشد الحفيد 

        ويرجع السبب في عدم اشتراط الولاية في الزواج عند الأحناف إضافة إلى الأدلة الشرعية المستقاة من الكتاب الكريم  والسنة  النبوية الشريفة، إلى أن المرأة حين تزوج نفسها فهي تصرف في حق خالص لها، ذلك أن نفسها مملوكة لها وهي عاقلة بالغة. وقد قاس الأحناف على أن الفقهاء اتفقوا على حق المرأة البالغة العاقلة التصرف بمالها، وقالوا بأن الأولى أن تتصرف في زواجها خصوصا وأنها هي التي تتزوج لا وليها. زد على ذلك أن قواعد الدين الإسلامي تطلق الحرية لكل عاقل راشد ذكرا كان أو أنثى في التصرف وكذا تحمل ما عسى أن يحدثه من أضرار بسبب هذه التصرفات وكلا الأمرين لازم في الحياة الاجتماعية، لذا فالحجر على الراشدة العاقلة في أمر زواجها ينافي قواعد الدين الإسلامي العامة.

       هذا وإن كان أبو  حنيفة قد أسقط الولاية في الزواج، فإنه جعلها ضرورية ولازمة على الصغيرة والمجنونة ومن في حكمها، حيث لا يجوز عنده أن تمارس حق تزويج نفسها، بل لابد من موافقة وليها ومباشرته وصياغته للعقد. وسبب الحجر عليها هنا هو ذهاب عقلها أو عدم نضجه إضافة إلى عدم تمييزها بين ما يضرها وما ينفعها، أي أن الولاية عند الحنفية لا يمكن تصورها إلا من خلال حالة واحدة وهي ولاية الإجبار والتي سببها اختلال شرط مهم في منح المرأة حق تزويج نفسها، ألا وهو العقل.


المطلب الثالث : الاتجاه الذي يأخذ بمبدأ الوسطية في الولاية.

بالإضافة إلى الاتجاهين الآنف ذكرهما،هناك رأي ثالث توفيقي تبناه أبو ثور من الشافعية  لم يشترط في صحة العقد إلا إذن الولي و بذلك يكون للمرأة حق تزويج نفسها بنفسها موقوف على إذن الولي فإن أجازه نفذ و إن لم يجزه بطل، إن لم يكن في رفضه عضل، لأن عضله يدفع القاضي إلى إجازة العقد .

      و سنجد كذلك مذهب الإمامية الذي يمنح المرأة الثيب حق تزويج نفسها بعبارتها فلا ولاية عندهم عليها من أب أو جد أو سـائر أوليائه من باب الأولوية، و اختلفوا في أمر البكر فمنهم من قال أنها كالثيب و لكن يستحب أن تنيب أباها أو جدها ليتولى عقد نكاحها، و منهم من قال أن الأمر مشترك بينها و بين الولي فلا يستقل أحدهما بالعقد دون الآخر، فإن تولته البكر فلابد من إذن الولي مستندين في ذلك على حديث الرسول صلى الله عليه و سلم " الأيم أحق بنفسها من وليها و البكر تستأذن في نفسها و إذنها صماتها ".

     و هو تقريبا ما ذهب إليه الثوري فعقد الزواج عنده مشترك بين المرأة       ووليها كيف ما كانت هذه المرأة بكرا أو ثيبا تحت طائلة البطلان، فإن أذن لها ابتداء أن تعقد نكاحها فالعقد صحيح، و إن باشر هو العقد بعد أن أذنت له فالعقد صحيح كذلك، إلا أن هنالك روايات أخرى عنه مقتضاها أن أي رجل مسلم تولى عقد المرأة جـاز العقد، مصداقـا لقـوله تعـالى : ﴿ المؤمنـون و المؤمنات بعضهم أولياء   بعض ﴾، أما إن تولت هي عقد زواجها أو عقد زواج غيرها فالعقد باطل.

      وترى الأستاذة رجاء ناجي مكاوي ، أن جعل الولاية في الزواج مرادفة لإبرامه فهم سيء، فيما الولاية في الفلسفة النقية العالية للشرع الإسلامي هي مساندة ومؤازرة المرأة أثناء عقد الزواج بما لا يستغني عن إرادة المرأة، وحينما حصل هذا الخلط بين المفهومين، أدى ذلك إلى جدال عقيم عشناه لمدة عقود، وأهدرت فيه الطاقات والأموال والجهود.

المبحث الثاني: الولاية في الزواج في التشريع لمغربي

   عرفت الولاية كشرط لصحة الزواج تطورا ملحوظا في التشريع المغربي منذ صدور مدونة الأحوال الشخصية  لسنة 1957 وكذلك من خلال التعديلات الذي طرأت عليها بمقتضى ظهير 10 شتنبر 1993، غير أن المواقف بخصوص الولاية عرفت تدبدبا إلى أن انتهى الأمر بالغائها من طرف المشرع المغربي في مدونة الأسرة.

المطلب الأول: الولاية في الزواج في مدونة الأحوال الشخصية

    تأسست مدونة الأحوال الشخصية بعد الاستقلال من طرف المجلس الأعلى بمقتضى الظهير الشريف رقم 223-57-1 المؤرخ ف الثاني من ربيع الثاني 1377 الموافق ل 27 سبتمبر 1957.

   ففي إطار الموضوع الذي نحن بصدده فإن مدونة الأحوال الشخصية قد كرست الولاية بنوعيها، إلا أن الولاية على النفس هي ما سنقتصر عليه لكونها تتصل بإبرام عقد الزواج.

  وفي هذا الخصوص نجد أن المشرع المغربي قد ساير  رأي الجمهور فيما يخص الولاية في عقد الزواج، ومن ضمنه مذهب الامام مالك عندما اعتبر الولاية شرط صحة في عقد الزواج لا يصح إلا بتوافرها سواء كانت المرأة بكرا أم ثيبا، صغيرة أم كبيرة  ....

  وعليه فإن مدونة الأحوال الشخصية قد نصت في الفصل 12 على أن:

1. الولاية حق للمرأة فلا يعقد عليها الولي إلا بتفويض من المرأة على ذلك إلا في حالة الإجبار المنصوص عليها فيما يلي:

2. لا تباشر المرأة العقد ولكن تفوض لوليها أن يعقد عليها.

3. توكل المرأة الوصي ذكرا تعتمده لمباشرة العقد على من هي تحت وصايتها.

4. لايسوغ للولي ولو أبا أن يجبر ابنته البالغ ولو بكرا على النكاح إلا بإذنها ورضاها، إلا إذا خيف على المرأة الفساد فللقاضي الحق في إجبارها حتى تكون في عصمة زوج كفء يقوم عليها.

فمن خلال قراءة مقتضيات هذا الفصل، فالجلي بالذكر أن المشرع المغربي قد اعتبر الولاية شرط صحة في عقد الزواج لا يصح إلا بتوافرها .

والولاية في عقد الزواج في الأصل هي ولاية اختيار، حيث أنه لا يمكن للولي أن يعقد على من هي تحت ولايته إلا برضى المرأة و بتفويض منها على ذلك، فيبقى لها الخيار في الموافقة أو الرفض الذي تكون فيه حالة الإجبار المنصوص عليها في الفقرة الأخيرة في الفصل12 .

  و المرأة عندما تفوض للولي أن يعقد عليها فليس لها الحق في أن توكل من تشاء بل يجب عليها أن تَتَبع ترتبيب الأولياء المنصوص عليه في الفصل 11 من مدونة الأحوال الشخصية، و الذي يقضي بما يلي :

" الولي في الزواج هو الابن ثم الأب أو وصيه ثم الأخ فالجد لأب فالأقربون بعد الترتيب و يقدم الشقيق على غيره فالكافل فالقاضي فولاية عامة المسلمين بشرط أن يكون ذكرا عاقلا بالغاً"

   كما تجدر الاشارة الى أنه لا يمكن للمرأة أن تعقد على من هي تحت و صايتها ، بل يجب عليها أن توكل رجلا ينوب عنها في العقد لأنه يشترط في الولي أن يكون ذكراً .

  أما فيما يخص الاستثناء المنصوص عليه في الفقرة الرابعة و الذي فيه أنه عند امتناع المرأة عن الزواج، فإذا خيف عليها الفساد فللقاضي الحق في اجبارها على الزواج من رجل كفء يقوم عليها . فهذه الفقرة تفيد إجبار الولي المرأة على الزواج . و كان هذا الفصل مرتبطا بالفصل 5 الذي كان ينص على أن " العدلين يسمعان الإيجاب و القبول من الزوج أو نائبه و من الولي" دون تحديد نوع هذه الولاية هل هي ولاية إجبار أم اختيار مما جعل كثيرا من الأولياء يجبرون الفتاة على الزواج بمن لا تريد .

    فبالرجوع الى نصوص مدونة الأحوال الشخصية لسنة 1957 فإنها تتحدث عن موافقة المرأة على الزواج، لكنها لم تحدد أية إجراءات للاستماع إليها و لا ضمانات تحول ذون أن يطالها التعسف . ومن جهة أخرى كانت تسمح بتزويج الفتاة رغما عنها متى خيف عليها الفساد أو الانحراف ، فيظهر أن هذه الحالة كانت متسعة حيث كان يمارس في إطارها الإجبار على الفتاة. 

الفقرة الثانية:الولاية في مدونة الأحوال الشخصية لظهير 10 شتنبر1993

   المشرع المغربي إثر ظهير10شتنبر1993، قد جاء بتلطيف للوضع القانوني و تحسين نسبي للأوضاع المرأة . كونه قد أخضع بعض الفصول للتعديل من ضمنها الفصل 12 من مدونة الأحوال الشخصية .

حيث نص على أنه:

1. الولاية حق المرأة فلا يعقد عليها الولي إلا بتفويض من المرأة على ذلك.

2. تفوض المرأة لوليها أن يعقد عليها.

3. توكل المرأة الولي ذكرا رعتمده لمباشرة العقد على من توجد تحت وصايتها.

4. للرشيدة التي لا أب لها أن تعقد على نفسها أو توكل من تشاء من الأولياء.

 فعند قراءة هذا الفصل، نجد أن المشرع المغربي قد أحال على ولاية الاختيار، بالإضافة الى إلغاء الفقرة الأخيرة التي كانت تحيل على ولاية الإجبار و بهذا فإنه تم منع الولي من الإجبار في كل الحالات.

  وفي هذا الإطار تم تعديل مقتضيات هذا الفصل ليتلائم مع الفصل 5 من مدونة الأحوال الشخصية و الذي تم تعديله أيضا بمقتضى ظهير 10شتنبر1993 و ذلك بخصوص منع الإجبار في جميع الحالات وأن لايتم الزواج إلا برصى الزوجة و موافقتها و توقيعها على عقد الزواج لدى العدلين  .

  و قد ميز المشرع المغربي في الفصل 12 بين صنفين من النساء، وهما المرأة التي لها أب فالولاية في عقد الزواج بالنسبة لها شرط صحة لا يتم الزواج إلا بتوفرها، و بين المرأة الرشيدة التي لا أب لها و التي لها الحق في أن تزوج نفسها أو توكل من تشاء من الأولياء يؤازرها أثناء ابرام عقد الزواج، وهذا تجاوز للفصل 11 الذي ينص على ضرورة تسلسل و ترتيب الأولياء فالتعديل لم بشر الى مراعاة هذا الترتيب .

  وفي هذا الخصوص فإن المشرع المغربي قد أخضع بعض النساء المغربيات فيما يخص الولاية الى المذهب المالكي و البعض الاخر الى المذهب الحنفي .

أما فيما يخص المرأة الوصية على أبنائها فلا يمكنها ان تكون ولية في عقد الزواج كون الذكورة شرط من شروط الولاية. وهذا مايشترك فيه الفصلين القديم و الجديد ، حتى و إن كان للمرأة الولاية على المال بحكم القانون في حالة وفاة الأب او فقدان أهليته حسب التعديل الجديد للفصل 148 من مدونةالأحوال الشخصية.

  حتى بعد هذا التعديل الذي صار على المدونة بالنسبة المرأة الرشيدة التي لا أب لها، فقد كان العدول يصرون في الواقع العملي على حضور الولي أثناء ابرام عقد الزواج مخالفين بذلك نص المدونة .

وعلى ارغم من هذا التعيل الجزئي الذي أدخله المشرع على الولاية بموجب ظهير 10 شتنبر 1993 فإن الحركات النسائية ظلت تطالب بإلغاء  الولاية على المرأة.

و سواء قبل هذا التعديل أم بعده، فإن الولي إذا مانع من غير مبرر معقول في زواج ترغب فيه المولى عليها، صح لهذه الأخيرة أن ترفع الأمر إلى القاضي، الذي يملك حق تزويجها رغما عن وليها إن توفرت في الزوج الكفاءة. لكن الأكيد هو أن صلاحيات الولي تقلصت كثيرا بعد التعديل، حيث أصبح يستمد سلطاته من تفويض المراة نفسها، لا من قوة القانون كما كان الأمر من قبل .

أما عند دخول مدونة الأسرة لسنة 2004 حيز التنفيذ و التي من خلالها تم حسم الخلاف فيما يخص الولاية بالنسبة للمرأة الرشيدة.

وهي ماسنتطرق له في المطلب الثاني.


المطلب الثاني :الولاية في اطار مدونة الاسرة


نظم المشرع المغربي الحالي الولاية في الزواج ضمن مقتضيات المادتين 24و25 من مدونة الاسرة ،بكيفية تنم عن تغيير عميق في طبيعتها إذ تحولت مبدئيا من شرط في الزواج إلى حق للمرأة ، وتبعا لذلك سنحلل الولاية في إطار مدونة الأسرة على ضوء المادة  24 في الفقرة الأولى على أن نخصص الفقرة الثانية للمادة 25 من المدونة .

الفقرة الأولى: المادة 24 من مدونة الأسرة .

تنص المادة 24 من مدونة الاسرة على ما يلي:الولاية حق للمرأة تمارسه الراشدة حسب اختيارها ومصلحتها.           

هكذا فالولاية في التشريع المغربي لم تعد شرط صحة في الزواج ، ذلك أنه يستفاد من هدا النص التشريعي أن المشرع المغربي قد تخلى نهائيا على رأي الجمهور نما في ذلك رأي المالكية بهذا الخصوص واعتمد جزئيا رأي الاحناف الذي لا يفرض الولاية على المرأة الراشدة ، أن تلك التي أكملت سن الرشد القانوني كما حدته المادة 209 من مدونة الاسرة ، حيث لها ، أن تزوج نفسها بنفسها وهو ما سوف تؤكد عليه المادة 25 من نفس القانون .

الفقرة الثانية :المادة 25 من مدونة الاسرة

تنص المادة 25 من مدونة الاسرة على انة :للراشدة أن تعقد زواجها بنفسها أو تفوض ذلك لأبيها أو أحد اقاربها .

يستفاد من هذا النص التشريعي أن المرأة المغربية التي تعتبر الولاية في الزواج حقا خالصا لها ،لها ان تستعمل هدا الحق او إلا تستعمله ،حسب ما ترتئيه ،اي ان تخضع المرأة لشرط الولاية أو أن لا تخضع له.

وبهذا النص الاخير يكون المشرع قد اقبر الفصل 11 من مدونة الاحوال الشخصية الملغاة والذي كان يرتب الاولياء في الزواج ، حسب  التحديد المعتمد في مصنفات الفقه المالكي وعمليا فإن المرأة المغربية الراشدة والتي تزوج نفسها بنفسها تخضع نفسها للمذهب الحنفي ، والتي تحضر وليها تخضع نفسها  لموقف الجمهور ،وفي مقدمته  الفقه المالكي.

صحيح ان هناك نصوصا عديدة تشترط حضور الولي عند الاقتضاء ، ومن ذلك مثلا المادة 13 البند 3 والمادة 61 الفقرة 3 والمادة 67 البند 3.غير ان الامر هنا يتعلق بالنيابة الشرعية على شخص زوج او زوجة غير راشدة لا بشرط صحة الزواج كما قد يعتقد البعض . 

وجدير بالإشارة على ان شروط الولاية لم تتعرض إليها المدونة ولذالك يمكن الرجوع فيها الى الفقه المالكي اعتمادا ما نصت  عليه المدونة في المادة 400 .

خاتمة

 لا خلاف على أن الولاية تشريف ومساندة للزوجة، فالزواج عبارة عن معاهرة وتناسب بين العوائل والولاية تحفظ هذه القيم لأن وظيفتها هي حماية المرآة التي مهما كان مستواها الثقافي مساعدا لن تدرك خبايا عالم الرجال الذي لا يعرفه إلا مثيلهم، فالولي يساند المرأة ويحصنها ضد زواج قد يكون مدمرا لمستقبلها.

واستثناء قد تصبح هذه الولاية تعسفية حين يتطاول الولي على مقاصدها وينفرد بالقرار في تحديد مصير المولى عليها ولا يترك لها فرصة الاختيار وقد يتعدى ذلك إلى منعها من الزواج وإن كان الزوج صالحا لسبب أو لآخر.

 وبالتالي يمكن القول أن المشكل الجوهري ليس في النص ولا في الآراء الفقهية ، بل ينحصر في الذهنيات التي تكييف الولاية على غير مفهومها وعلى خلاف مقاصد الشرع الإسلامي .

وفي نقطة أخرى نجد المغرب كبلد منفتح ومختلف الثقافات مقسم إلى فئتين : 

- الأولى : تتمتع بالرفاه الاجتماعي الاقتصادي والفكري تكون فيه المرأة مرفهة لها حرية اختيار الزواج قبل الزواج فتكون الولاية في هذه الحالة محببة فقط تشريفا لها في مجلس العقد.

- الثانية فئة ينعدم فيها الرفاه الفكري حيث يكون فيها دور الوالي أساسي فتكون الولاية مرغوبة وحمائية كما قد تتحول إلى ولاية انتقامية أو استغلالية.

لذلك يهدف المشرع في مدونة الأسرة الولاية فجعلها بيد الزوجة الراشدة إن شاءت تختار اللجوء لها وإن شاءت تلجأ إلى تزويج نفسها بنفسها حسب الأحوال والظروف .

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات