القائمة الرئيسية

الصفحات

بحث حول موضوع مبدأ الشرعية الجنائية

بحث حول موضوع مبدأ الشرعية الجنائية

بحث حول موضوع مبدأ الشرعية الجنائية
بحث حول موضوع مبدأ الشرعية الجنائية


مقدمة

يعتبرمبدأ الشرعية الجنائية ضمانة أساسية في كافة التشريعات الجنائية لحقوق وحريات الافراد، حيث يقتضي حصر القواعد الجنائية في النصوص المكتوبة بشكل مسبق.يعرف هذا المبدأبعبارة " لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص"وذلك لوضع حد بين المجرّم والمباح.ولم يكن هذا المبدأ معروفافي العصور القديمة،فالعقوبات كانت تحكمية وكان في وسع القضاة أن يجرموا أفعال لم ينص القانون عليها ويفرضوا العقوبة التي يرونها مناسبة، وترجع جذورهذا المبدأ إلى الشريعة الإسلامية فهي تستند مباشرة على نصوص صريحة في هذا المعنى ومنها :
قوله تعالى : "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً "[1]
قوله تعالى:" وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوى عليهم آياته"[2]
قوله تعالى:" وما كنا مهلكي القرى إلاوأهلهاظالمون"[3]
 إلا أن النشأة الحقيقة لهذا المبدأ في القوانين الوضعية كانت في القرن الثامن عشر، فظهر نتيجة للانتقادات الشديدة من قبل الفلاسفة والفقهاء لتسلط القضاة وتحكمهم في الأحكام. ومن ابرز المنادين به «بيكاريا» في كتابه الجرائم والعقوبات ، وكذلك «مونتسكيو» في كتابه روح القوانين.
ويرجع أول ظهور للمبدأبانجلترافي العهد الأعظم[4]، ليعلن عنه لأول مرةفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن الصادر سنة 1789، ثم نص عليه القانون الفرنسي لسنة 1810، ثم انتقل هذا المبدأ إلى عدد من التشريعات الوضعية فأخذت به الدساتير و القوانين في العالم كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 1948.
وقدأخد به المشرع المغربي من خلال تنصيص عليه في كافة الدساتير المغربية [5] وكذلك دستور 2011 في الفصل 23 منه، كما نص عليه القانون الجنائي المغربي في الفصل الثالث منه.
وهذا الاهتمام المتزايد بمبدأ الشرعية الجنائية يدفعنا إلى طرح عدد من التساؤلات حول ماهية المبدأ ؟ ما الآثار المترتبة عنه ؟ وما علاقته بالسلطة التقديرية للقاضي ومبدأ تفريد الجزاء؟
وعليه فان التطرق للموضوع  سيتم وفق التصميم الأتي:

المبحث الأول :أسس مبدأ الشرعية
المطلب الأول: ماهية مبدأ الشرعية
المطلب الثاني:نتائج مبدأ الشرعية
المطلب الثالث:ضمانات مبدأ الشرعية 
المبحث الثاني : تقييم المبدأ وعلاقته بالسلطة التقديرية للقاضي
المطلب الأول: الانتقادات الموجهة لمبدأ الشرعية
المطلب الثاني: الرد على هذه الانتقادات
المطلب الثالث: علاقة المبدأ بالسلطة التقديرية للقاضي

المبحث الأول :أسس مبدأ الشرعية


في هذا المبحث سنحاول بيان ماهية مبدأ الشرعية الجنائية وذلك في (المطلب الأول) على أن نحاول بيان أهم النتائج المترتبة عن تفعيل مبدأ الشرعية الجنائية في (المطلب الثاني) أما (المطلب الثالث) سنحاول فيه بيان  أهم الضمانات التي من وسعها أن تضمن للمبدأ حسن التطبيق وضمان حقوق الإفراد وحرياتهم.

المطلب الأول: ماهية الشرعية الجنائية

إن مبدأ الشرعية الجنائية ينبني على كون أن لا جريمة ولا جزاء إلا بنص قانوني مكتوب، وبالتالي فلا مكان للعرف أو للقضاء في تحديد ما إذا كان الفعل جرما أم لا، بل أكثر من ذلك فإن الفعل لا يعد جريمة إلا إذا ما كانت الإرادة العامة متمثلة في البرلمان هي التي اعتبرت فعلا ما جريمة ، وهذا بالضبط هو ما كان قد دعا إليه " بيكاريا " في كتابه " الجرائم والعقوبات ".
ففي المغرب مثلا لا يمكن أن يعد فعل ما جريمة إلا إذا كان صدر قانون  ينص على ذلك، ومن ثم يتضح أن التجريم هو من اختصاص البرلمان، وهذه الخاصية هي ضمانة أخرى – إضافة إلى كون التجريم لا يكون إلا في إطار نص- ضد أي تعسف محتمل من السلطة التنفيذية لو كان أمر التجريم  والعقاب متروكا بيدها، نظرا لتعارض مهام هذه الأخيرة  مع كل ما له علاقة بالحريات، في حين أن البرلمان ما هو إلا شكل  مصغر للمجتمع، وذلك لكون أعضاء الغرفة الأولى ما هم سوى ممثلين لباقي المواطنين تم انتخابهم بالاقتراع  العام المباشر.
وغني عن البيان أن م.ش.ج ما هو إلا جزء من مبدأ أعم وأشمل لا تقوم دولة حديثة إلا عليه ألا وهو مبدأ الشرعية، وهذا المبدأ الأخير هو بذاته يقوم ويكتمل بارتكازه على مبدأ فصل السلط الذي نادى به البارون "مونتسكيو" في كتابه "روح القوانين" وبموجب هذا المبدأ لا يمكن أن تجتمع سلطتي التشريع-التجريم- والقضاء- العقاب- في يد واحدة.
و بالتالي نستشف من هذا المبدأ أن أي فعل أو امتناع مهما كانت خطورته الاجتماعية لا يشكل جريمة بالمفهوم القانوني إلا إذا وجد نص يجرمه ويعاقب عليه.
ونظرا لخطورة الجزاء الجنائي فإن الدستور أقر ضمانات متعددة من بينها أن التجريم لا يجب أن ينال من الأفعال المتعلقة بممارسة الحقوق والحريات العامة، ومن تم نستنبط أن القانون هو بنفسه ليس له الحق في تجريم إلا ما هو ضروري، رغم كونه يصدر عن ممثلي الشعب،دفعا لأي تعسف محتمل، وهذا نجده متجل في المادة الأولى من مجموعة القانون الجنائي التي تنص على ما يلي: "يحدد التشريع الجنائي أفعال الإنسان التي يعدها جرائم، بسبب ما تحدثه من اضطراب اجتماعي،...".
وإن تحديد الجرائم والعقوبات بقوانين ليس له دور حمائي ضد التعسف فقط، بل له دور وقائي يتجلى في إعلام الأفراد بالأفعال الخطرة التي لها انعكاسات سلبية على استقرار الحياة داخل الجماعة واستتباب الأمن والإزدهار الاقتصادي فمثلا تجريم احتراف التسول والعقاب عليه حبسا يعكس في نفوس الناس خطورة تنتج عن هذا الفعل وإن خفيت على معظم الناس،و كذلك الحال مع جريمة إصدار شيك بدون رصيد لأن تجريم هذا الفعل راجع لإعتماد الدول على الشيك كأداة للأداء.
يعتبر م.ش.ج الضمانة الرئيسية ضد الظلم والتعسف وعدم المساواة لهذا نجد هذا المبدأ قد أشير له بصفة صريحة على المستوى الدولي في التصريح ع.ح .إ لسنة 1948   "م 11" وضمن العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنيةو السياسية لسنة 1966 " م 15".
أما على الصعيد الوطني فقد نص الدستورالمغربي لسنة 2011 في" م 23" على هذا المبدأ بل وسع من دائرته ليشمل شرعية الإجراءات ،لأنه لا يكمن لمبدأ شرعية التجريم والجزاء أن يؤدي الدور المتوخى منه إلا إذا ما أحيطت المرحلة الفاصلة بين التجريم وإيقاع الجزاء بالضمانات الكفيلة لجعل الجزاء لا يقع إلا على مقترفي الأفعال، وقد أقر الدستور أيضا في "م 71 "مبدأ الشرعية في التنفيذ عندما جعل من اختصاص القانون وحده التشريع في مجال السجون.

o      مبدأ الشرعية من خلال العمل القضائي:
ü    "قضية البهائيين"
بعد مجموعة من الإنخراطات في الطائفة البهائية... وفي يوم 14 دجنبر 1962 المحكمة الجنائية للناظور بإعدام ثلاثة أشخاص.
هذا الحكم تم نقضه بتاريخ 14 دجنبر 1963 من طرف المجلس الأعلى، محكمة النقض حاليا، لكون اعتناق المذهب البهائي لا يكون جريمة، لأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون، والقانون الوضعي المغربي لا ينص على جريمة الردة وبالتالي فطبقا لمبدأ الشرعية الجنائية يكون تعليل المحكمة فاسدا وموجبا للنقض.
تجدر الإشارة إلى أن النص الجنائي ،نظرا لمساسه بالحقوق والحريات، يجب أن يستوفي مجموعة من الشروط عمل القضاء الدستوري الفرنسي على إبرازها في مجموعة من قراراته،نذكر منها بعضها:
ü    في ما يخص ضرورة وضوح النص الجنائي:
CONS.CONST.DEC :18JAN1985,n84-183, Le conseil a estimé qu’une loi incriminant la malversation du syndic dans les procédures collectives ,sans définir à quoi celle-ci correspond ,violait l’exigence de précision imposé par la principe de la légalité .
ü    في ما يخص ضرورة تناسبية العقوبة مع الخطورة الإجرامية:
CONS.CONST.DEC :16juillet1996,n96-377,publierau :     J.O :23JUILLET1996
هذا من جهة ، من جهة ثانية نجد القانون الفرنسي الحالي في المادة 3-111 أكد على أن النص الجنائي يجب أن يكون متضمنا لأركان الجريمة المعاقب عليها:
« Nul ne peut être puni pour un crime ou un délit dont les éléments ne sont pas définis pa la loi ... » 

المطلب الثاني:نتائج مبدأ الشرعية الجنائية

يترتب عن بمبدأ الشرعية الجنائية عدد من الآثار العملية،أبرزهاأنمصدر التجريم والعقاب هو القانون المكتوب،مما يعني"لا جريمة ولا عقوبة ألا بنص"،  حيث يجب أن يكون هذا الأخير واضحا دقيقا مما يفرض عدم تضارب النصوص القانونية الجنائية أو ما يعرف بالقانون القلق[6].
وبالرجوع إلى أحكام الدستور الجديد لسنة 2011، نجد انه نص صراحة علىأن النصوص الجنائية هي تلك الصادرة عن تشريع العادي( البرلمان)، باستثناء حالتي الضرورة أو التفويض.مما يعني حصر المجال التشريع الجنائي على البرلمان بموجب الفصل71 الفقرة السابعة من دستور 2011. 
ومن النتائج أيضا نجد تقييد سلطة القاضي في تفسير النصوصالجنائية.فتفسير القانون هو بيان معناهمتى كان مبهما، والتفسير أنواع، هناك التفسير التشريعي الذي يصدر عن السلطة التشريعية أما من خلال نص تفسيريأو نص تكميليأو بنص  تصحيحي ويعد ملزم للقاضي، وهناك النص الفقهيأي بيان وشرح النصوص القانونية من طرف الفقهاء ويعدغير ملزم للقاضي،إلى جانب التفسير القضائي من خلال الاجتهاد القضائيلإيجادحل لنزاع.
إلاأن التفسير في المجال الجنائي يمنع على القاضي استعمال القياس،لأنه يخلق جرائم وعقوبات جديدة ممايفرض عليه احترام مبدأ الشرعية الجرائم والعقوبات، ومجال قاعدة التفسير الضيق هو نصوص التجريم والعقاب[7].ماعدا الحالات الاستثنائية كالنصوص الموضوعية المبررة للأفعالالمحرمة حيثلا تجرم ولا تعاقب أو التي تحد من المسؤولية،أو كالنصوص الشكلية  التي يجوز التوسع في التفسير فيها كلما كانتأفيد للمتهم(نص الإجرائي أو الشكلي).
كما أن للمبدأ أثار عملية من حيث تطبيقه في الزمان والمكان،تعد من ابرز الآثار المترتبة عنه والتي تعد أساسية لتفعيل مبدأ الشرعية الجنائية، فعلى مستوى تطبيق مبدأ الشرعية في الزمان نجد؛مبدأ عدم رجعية القانون الجنائي مما يعني عدم سريان القواعد الموضوعية على الماضي.وهو مبدأ نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والدستور المغربي بالإضافةإلى القانون الجنائي[8]،ومن شروطه  أن تكون الأفعال قد ارتكبت قبل دخول القانون الجنائي حيز التطبيق.
 ومن الاستثناءات الواردة على مبدأ عدم رجعية القانون الجنائي،نجد حالة النص التشريعي الصريح على سريان الجرائم بأثر رجعي، أوأن يكون القانون تفسيريأوإذا كان أصلح للمتهم من خلال القيام بمقارنة لتقدير القانون الأصلحإمابإزالة الصفة الإجراميةأو اقل مدة عقوبة-مع ضرورة صدور هذا الأخير قبل حكم نهائي حائز على قوة الشيء المقضي به-.
كما أن المبدأ بدوره ترد عليه استثناءاتنجد منها القوانين المؤقتة ؛ والتي تسري بأثر رجعي على الجرائم المرتكبة خلال مدة تطبيقهاالمادة 7 من القانون الجنائيإلا جانب استثناءأخر وهوالتطبيق المباشر لتدابير الوقائية و القوانين الشكلية فور صدورها .
أماتطبيق القانون الجنائي في المكان،فمن أهمأثارهمبدأإقليمية القانون الجنائي أي النطاق المكاني الذي يمتد إليهتطبيق القانون الجنائي حيث يشمل كلا منالإقليم الترابي والجوي والبحري إلا جانب ما يعتبر إقليما بحكم القانونكطائرات والسفن.:
ü    الإقليم الأرضي: يشمل كل الأراضي التي تخضع للسيادة المغربية.
ü  الإقليم البحري: يشمل المياه الإقليميةوالأنهار التي تقطع أرضيه وكذلك البحيرات الداخلية ويصل عرض البحرالإقليمي 12  ميلا (اي20كلم) كما يشمل الإقليم البحري السفن التجارية والعسكرية بحيث تعتبر جزءا من إقليم الدولة الخاضعة لها.
ü  الإقليم الجوي: ويشمل المجال الجوي الذي يرتفع فوق الأرض اليابسة أو المياه الإقليمية التي تدخل تحت سيادته.[9]
وقد نص على هذا المبدأ  الفصل10 من القانون الجنائي.و يطبق مبدأ إقليمية القانون الجنائي مهما كانت جنسية الفاعل. إلا أن هذا المعطى الأخير تم التراجع عنه أمام تنامي الإجرام الدولي، مما أدىإلى ظهور استثناءات تعد مكملة له كمبدأشخصية القانون الجنائي والذي يعني ارتباط القانون الجنائي بجنسية الجاني أو المجني عليه ويطبق القانون الجنائي الوطني على جميع المواطنين الحاملين للجنسية المغربية الذين يرتكبون الجريمة خارج إقليم دولتهم(مبدأ الشخصية الايجابي) كما يطبق (مبدأ الشخصية السلبي) على الأجانب الذين يرتكبون الجرائم ضد المواطنين خارج الإقليم[10] ؛مبدأ عالمية القانون الجنائي يسمح بتطبيق القانون الجنائي الوطني على فعل يكون جريمة بمقتضى القانون الوطني ويكون مرتكبها مقيما بالمغرب أو وقع عليه القبض  بالمغرب مهما كانت جنسيته أو جنسية المجني عليه؛ أمامبدأ عينية القانون الجنائي فهو تطبيق القانون الجنائي على بعض الجرائم التي تقع  ولو خارج المغرب خاصة إن مست بالمصالح الأساسية لدولة ؛ ومن أهم
الاستثناءات الواردة على مبدأإقليمية القانون الجنائية ، نجد كل من شخص الملك ؛الأجانب ؛أعضاء السلك الدبلوماسي ؛رؤساء الدول؛رجال القوات المسلحة.

المطلب الثالث:ضمانات مبدأ الشرعية

من اجل أن يرتب المبدأالآثار المتوخات منه، فيلزمه عدد من الضمانات. حيث تتمثل هذه الأخيرة علىعدد من المستويات تبرز التوسع الذي عرفه مفهوم مبدأ الشرعية الجنائية[11].
باعتبار انه لا جريمة ولا جزاء إلا بنص هذا يتطلب أن تكون الأفعال مجرمة بنص،مما يستوجب هنا رقابة خاصة من طرف القاضي سواء في تكييف الفعل الإجراميأو المعاقبة عليه. هنا نجد دور النيابة العامة في تكييف الأفعال التي تعرض أمامها بما يفيد منح الوقائع المعروضة عليها اسما قانونيا .إلاأن هذا التكييف لا بعد نهائي، فبعد أن تحيل الملف على المحكمة فلهذه الأخيرةأن تغير تكييف حسب ما تراه من وقائع معروضة عليها وهذا في حد ذاته هوضمانة أساسية لمبد الشرعية الجنائية .
مع مراعاة موانع التكييف الجنائي الأفعال باعتبارأن الصفة الإجرامية التي يكتسبها الفعل بخضوعه لنص تجريم غير ثابتة في كل الأحوال يعني هذا أن تحققت ظروف معينة يقدرها المشرع لانتفاء علة التجريم[12]، وعليه نجد عددا من الأحكام التي تبرز الدور الذي يلعبه القضاء في ترسيخ مبدأ الشرعية الجنائية نجد حكم صادر عن محكمة النقض والذي جاء فيه "أما في الحالة التي لا يمكن فيها تجزئة النص الجديد فيتعين على القاضي أن ينظر في ما إذا كان هذا الأخير يترجم تحولا في السياسة الجنائية في اتجاه معاملة المجرمين معاملة تتسم بشيء من المرونة واللين بالمقارنة مع النص القديم. فإذا تبين له ذلك طبق النص الجديد بأثر رجعي، أماإذا ثبت له العكس وجب عليه تطبيق النص القديم لأنهأصلح للمتهم[13]".
أما على مستوى الجزاء الجنائي فان الأمر يتطلب أيضاأن يتمتع المبدأ بضمانات على مستوى تحديد الجزاء الجنائي الملائم للفعل الجرمي وشخصية الجاني، فأي جزاء قضي به ولو حتى يجب أن يكون ممددا إليه هذا المبدأ.إلا جانب الإلزام القانوني على القاضي من اجل تعليل الأحكام، مما يتطلب أساساأن يتم الحرص على مراقبة الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم ومدى احترامها للمبدأ، خاصة وانه على مستوى الجزاء الجنائي تحكمه عدد من الضوابط والآثار كما سبق الذكر ، وللمجلس الأعلى (محكمة النقض)  دور هام في مراقبة الأحكام الصادرة عن مختلف محاكم  الابتدائية والاستئنافية بخصوص احترامها لضوابط مبدأ الشرعية خاصة في الشق المتعلق بالجزاء الجنائي وما يتطلبه من حرص كبير على شرعية الجزاء وذلك إما بالرفض أو النقض.
ومن بين الأحكام التي تبرز هذا الدور نجد قرار صادر عن محكمة النقض الفرنسية والذي جاء فيه:"إن امتناع صاحب السيارة عن أداء رسم الوقوف في الشارع العام ، حيث يفرض مثل هذا الرسم من قبل البلدية، لا يعتبر مخالفة سير بل فعلا يولد دعوى مدنية ضد من استعمل موقفا عاما دون مقابل وبالتالي لا يخول البلدية سوى الادعاء بالتعويضعن إشغال الموقف  على الصاحب السيارة أمام المحاكم المدنية"[14].
ولا تقف الضمانات عند هذا الحد بل إنها تظل حتى على مستوى التنفيذ الذي بدوره يتطلب أن يكون خاضعا مبدأ الشرعية الجنائية إلا انه في هذه النقطة لا زالت عدد من الضمانات غير مفعلة إلاأن ابرز ما يقال هو حول قاضي تنفيذ العقوبة شرعية التنفيذوهو الأمر الذي أخد بهالمشرع المغربي إلاأن هذه المؤسسة تبقى ذات مهام استشارية نظمها المشرع المغربي طبقا لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية المواد 596 إلى 644 .
إلا حين أن تفعل هذه المؤسسة كما هو الشأن بالنسبة التشريعات المقارنة -القانون الفرنسي-وتصبح ذات اختصاصات أوسع، وذلك تعبيرا عن الامتداد القضائي إلى مرحلة التنفيذ[15].
وعليه فان مبدأ الشرعية الجنائية كضمانة أساسية لحقوق وحريات الإفرادتستوجب الحرص  على إعمال كافة الضوابط  والضمانات المؤطرة للمبدأ مما يستوجب تفعيل المقتضيات القانونية المترتبة عنه، هذا أمر موكول بالدرجة الأولىإلىالقضاء سواء كان ذلك بواسطة المحاكم العادية أو محكمة مخصصةلذلك،الذي يجب أن  يتمتع بالحياد والاستقلال وتوفر ضمانات مهمة تحقق حسن سير القضاء وإحقاق العدالة والإنصاف.

المبحث الثاني: تقييم مبدأ الشرعية وعلاقته بالقاضي


في هذا المبحث سنحاول تقييم مبدأ الشرعية الجنائية ورصد أهم الانتقادات التي وجهت له وذلك في (المطلب الأول) على أن نحاول قدر الإمكان الرد على هذه الانتقادات وتوضيح أن لا أساس لها من الصحة بالمقارنة مع الفائدة والحماية التي يحققها مبدأ الشرعية كضمانة لحقوق وحريات الأفراد من خلال (المطلب الثاني) أما (المطلب الثالث) سيكون محطة لمناقشة نقطة أساسية لا تخلو من أهمية تتمثل في العلاقة التي تجمع مبدأ الشرعية بالسلطة التقديرية للقاضي في تفريد الجزاء وتوضيح أن هذه العلاقة هي علاقة تكامل وتعايش ليست تنافر كما يعتبر البعض.

المطلب الأول: الانتقادات الموجهة لمبدأ الشرعية

رغم ما يوفر هذا المبدأ من ضمانة لحماية حقوق وحريات الأفراد من تسلط وتحكم القاضي من جهة والمشرع من جهة أخرى فإن ذلك لم يمنع بعض الفقه من توجيه بعض الانتقادات لهذا المبدأ التي سنحاول تلخيصها فيما يلي:
(جمود النصوص القانونية + عدم أخلاقية المبدأ + المبدأ يجعل القاضي آلة)
ü    جمود النصوص القانونية:[16]
وذلك يعني أن النصوص القانونية غير قادرة على مسايرة ركب التطور الحضاري والاقتصادي والتكنولوجي حيث أن المشرع أوتي من حكمة لا يمكنه أن يتوقع جميع الأفعال الضارة بالمجتمع بفعل التطور وتعقد الحياة. ذلك ما أدى إلى ظهور بعض الجرائم الجديدة التي لم تكن معروفة من قبل وبالتالي فالقاضي هنا ليس بمقدوره تجريم هذه الأفعال والمعاقبة عليها، لأن ذلك من اختصاص المشرع طبقا لمبدأ الشرعية"
وبالتالي في انتظار تدخل المشرع قد تتضرر العديد من الحقوق والمصالح بسبب مبدأ الشرعية في التجريم والعقاب".
ومن أمثلة ذلك: القانون الجنائي المصري لسنة 1904 لم يكن يعتبر إصدار شيك بدون رصيد جريمة والمعاملات التجارية أدت إلى ولادة هذا النوع من الجرائم التي ظلت مباحة وغير معاقب عليها إلى حين صدور قانون العقوبات المصري الجديد لسنة 1937.
ومن أمثلة ذلك أيضا: أنه في وقت مضى كان الفرد في فرنسا يدخل للمطعم ويتناول ما يحلو له من الطعام تم ينصرف دون أن يدفع المقابل وعندما تعرض القضية على المحكمة لا يجد القاضي الجنائي التكييف القانوني لهذه الواقعة لأن عنصر الاختلاس هنا غير موجود لاعتبار الامر سرقة وبالتالي يطلق سراح الشخص طبقا لمبدأ شرعية الجريمة إلى أن تدخل المشرع الفرنسي وعاقب على هذا الفعل صراحة.
هذا ما دفع أحد فقهاء القانون الجنائي الحديث "فون لست" إلى القول بأن قانون العقوبات أصبح هو " دستور المجرمين والأشرار" بمعنى أنه يحق للمجرمين ارتكاب أي فعل لم يجرمه المشرع في القانون الجنائي وإفلاتهم من العقاب طالما كان تصرفهم هذا بعيدا عن مضمون التكييف القانوني للجرم مهما كان هذا التصرف شريرا.

ü    عدم أخلاقية المبدأ:[17]
كذلك من أهم الانتقادات التي وجهت لمبدأ الشرعية هو كونه غير أخلاقي ويكمن ذلك في كون أن القاضي عاجز على العقوبة في حالة انعدام النص المعاقب طبقا لمبدأ "شرعية العقاب" الشيء الذي يشكل خطرا على المجتمع وكيانه الاقتصادي وسلامة أفراده.

ü    هذا المبدأ يجعل القاضي آلة:
...من بين الانتقادات التي وجهت لمبدأ الشرعية الجنائية هو كونه جعل القاضي الجنائي مكبل اليدين أو مجرد آلة تسهر على التطبيق الحرفي للنص الجنائي دون الأخذ بعين الاعتبار شخص الجاني ومواقع ارتكاب الجريمة لأن المشرع حين يحدد الفعل الجرمي والعقوبة المطبقة عليه فهو لا يعرف الشخص الذي سيرتكب هذه الجريمة أو الأسباب والدوافع التي ادت بالجاني إلى ارتكاب الجريمة وبالتالي فإن الأخذ بمبدأ الشرعية أو بحرفية النص الجنائي قد لا يحقق العدل والمساواة ما بين الأفراد وتجعل القاضي مجرد آلة تسهر على توزيع الجزاءات.
وبالتالي لابد من منح القاضي سلطة تقديرية في تفريد الجزاء الملائم بحسب درجة خطورة الجاني وجسامة الجريمة وإن كان البعض يعتبر أن هذا المبدأ يتعارض مع مبدأ التفريد وهذا ما سنحاول مناقشته في المطلب الثالث المتعلق بالعلاقة ما بين مبدأ الشرعية ومبدأ التفريد.

المطلب الثاني: الرد على هذه الانتقادات

بالنسبة للإنتقاد المتعلق بكون أن نصوص القانون الجنائي جامدة وعدم مسايرتها لركب التطور الاقتصادي والتكنولوجي حقيقة لا يمكن إنكار لكن ذلك لا ينقص في شيء من قيمة مبدأ الشرعية الذي يعد سياجا من الضمانات القانونية التي تهدف إلى حماية حقوق وحريات الأفراد من تعسف وتسلط القاضي من جهة ومن جهة أخرى أن هذا الانتقاد يمكن تجاوزه بتدخل المشرع إضافة إلى ذاك أن المشرع نجده في بعض الأحيان يستعمل
بعض الصيغ المرنة القادرة على استيعاب جميع الأفعال المستجدة والمستقبلية مثال الفصل 392 (تعريف القتل)[18].
أما فيما يخص مسألة منافاته للأخلاق فهذا غير صحيح لما فيه من مبالغة ذلك أن واضعي التشريع يحاولون الالمام بكل كبيرة وصغيرة وحتى وإن لم يجرم المشرع بعض الأفعال فإن الأصل في الأشياء الإباحة.
أما فيما يخص الرأي القائل بأن مبدأ الشرعية يجعل القاضي مجرد آلة تقوم بتوزيع الجزاءات على المجرمين اللذين يرتكبون الأفعال التي جرمها المشرع بغض النظر عن الأسباب والدوافع التي قادت الشخص إلى ارتكاب الجريمة فإن الانتقاد أصبح مردود في ظل التشريعات الجنائية المعاصرة التي أصبحت تمنح للقاضي سلطة تقديرية في تفريد الجزاء الملائم للجاني حسب ظروف وأسباب كل جريمة وإن كان البعض يعتبر أن هذا المبدأ يتعارض مع مبدأ الشرعية الذي يعني أن الجريمة والعقوبة محددة بشكل دقيق دون أن يكون أي دخل للقاضي في تحديدها وهذا ما سنحاول التطرق في المطلب الثالث المتعلق بالعلاقة ما بين مبدأ الشرعية ومبدأ التفريد.

المطلب الثالث: علاقة مبدأ الشرعية بالسلطة التقديرية للقاضي

من بين الانتقادات التي وجهت إلى مبدأ الشرعية الجنائية[19] هو كون هذا الأخير يتنافى أو يتعارض مع مبدأ التفريد أي تفريد الجزاء. نعم هذا ما يبدو ومن الوهلة الأولى خاصة وأن مبدأ الشرعية يعني بأن العقوبة يجب أن تكون محددا بشكل دقيق من طرف المشرع دون أن يكون للقاضي دخل في ذلك في حين أن مبدأ التفريد يعني أنه يجب أن تكون العقوبة متلائمة مع جسامة الجرم وخطورة الجاني.
لكن هذه الملائمة لا يمكن أن تأتي للمشرع أثناء وضعه للقاعدة الجنائية حيث هذا الأخير يكون محكوم بخاصية العمومية والتجريد يعني أن المشرع لا يعرف الأسباب والدوافع التي فادت الشخص إلى ارتكاب الفعل لأن القاضي الذي ينظر في القضية هو وحده الذي يمكن له ذلك.
مما يعني أن التطبيق الحرفي لقاعدة الشرعية قد لا يحقق المساواة ما بين الأفراد ويناله فإن الاعتراف للقاضي بسلطة تقديرية أصبح أمرا لا مفر منه.
وبالتالي فإن مبدأ التفريد هو مبدأ يهدف إلى نفس الغاية التي يسعى إلى تحقيقها مبدأ الشرعية وهما الاثنين مكملان لبعضها البعض.
وفي هذا الإطار تقول الدكتورة لطيفة المهداني:
" لا نعتقد بتاتا بوجود تعارض بين مبدأي الشرعية وسلطة القاضي التقديرية بل هو تعايش بغية تحقيق تفريد عادل ونزيه". 

خاتمة

إن كان هذا مبدأ الشرعية يتعارض صراحة مع حق المجتمع في حماية نفسه من كل   الجرائم،إلا أنه يعتبر بحق أقل المبادئ سوءا على المجتمع....
وما الإجتهادات التي يسعى الفقهاء لإقرارها - سواء لتحصينه بوضع مجموعة من المبادئ تكفل تطبيقه على النحو السليم، أو لإضفاء نوع من المرونة عليه خصوصا بعد تبني القواعد المتعلقة بتفريد الجزاء- إلا إيقانا منهم على أن مبدأ الشرعية هو المبدأ الوحيد القادر على تحقيق التوازن بين حق المجتمع في الأمن و حق الأفراد في ممارسة الحقوق و الحريات. 

لائحة المراجع المعتمدة:

الكتب العامة:

الدكتور:عبد الواحد العلمي، شرح القانون الجنائي القسم العام ،طبعة 2007،مطبعة النجاح الجديدة،الدارالبيضاء
الدكتور:عمر أبو الطيب ، القانون الجنائي العام، خزانة كلية العلوم القانونية والاقتصادية    والاجتماعية،اكدال(الملحقة), 
الدكتور:احمد الخمليشي، شرح قانون المسطرة الجنائية ،القسم العام1985،رقم الترتيبي بالمكتبة الوطنية {k452.341.02}
الدكتور:جعفر علوي، شرح القانون الجنائي العام فقها وقضاءا،طبعة 2010،رقم الترتيبي بالمكتبة الوطنية{343.64g 117}
الدكتورة:الدكتورة لطيفة مهداتي، حدود سلطة القاضي التقديرية في تفريد الجزاء،طبعة2007، مطبعة طوب بريس الرباط،

الأطروحات والرسالات:

الدكتورة:  لطيفة المهداتي، الشرعية في تنفيذ العقوبات السالبة للحرية أطروحة نيل الدكتوراه الدولة في الحقوق.
بوغره صبراوي، مبدأ الشرعية وإشكالات التضخم الجنائي رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة جامعة عبد المالك السعدي .

النصوص التشريعية :

الدستور المغربي لسنة 2011
مجموعة القانون الجنائي المغربي

المراجع الأجنبية:

MICHELE ZIRARI-DEVIF , LE PRIINCIPE DE LEGALITE EN MATIERE PENALE ,  MEMOIRE POUR LE DES DROIT, UM5.FSJES.RABAT JUIN 1978
Code pénal français ,Dalloz ,Édition  2011
Philippe salvage, Droit pénalgénéral ,Édition à jour du nouveau Code pénal , presses universitaires de Grenoble.
Pr.AbdelazizElhila ,Cours de droit pénal général,filiére droit privé :S4

المواقع الالكترونية
www.justice.gov.ma
www.legifrance.gouv.fr
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
[1] سورة الاسراء الاية 16
[2]سورة القصص الاية59
[3]سورة فاطر الاية 27
[4]عمر أبو الطيب ، القانون الجنائي العام
[5]الدكتورة لطيفة مهداتي، حدود سلطة القاضي التقديرية في تفريد الجزاء،طبعة 2013، مطبعة طوب بريس الرباط، ص109
[6]الدكتورة لطيفة مهداتي، حدود سلطة القاضي التقديرية في تفريد الجزاء،طبعة 2013، مطبعة طوب بريس الرباط، ص111
[7]باعتبار ان التوسع في التفسير والقياس جائز في غير مجال التجريم والعقا،.مما يعني ان القاضي المدني غير ملزم بهذه القاعدة.
[8]الفصل السادس من الدستور المغربي لسسنة 2011 الفقرة الاخيرة
[9] عبد الواحد العالمي، شرح القانون الجنائي المغربي، القسم العام، المرجع السابق ،ص82
[10]عبد الواحد العالمي، شرح القانون الجنائي المغربي، القسم العام، المرجع السابق ،ص84
[11]ان يشمل بالاضافة الى الجرائم والعقوبات الاجراءات الشكلية المرتبطة بالمحاكمة الى غاية التنفيذ.
[12] الدكتور علي جعفر، المعيين في شرح القانون الجنائي العام المغربي فقها وقضاء،الطبعة الاولى 2010، ص87
[13]قرار المجلس الاعلى الغرفة الجنائية 14 اكتوبر 1964، قضاء المجلس الاعلى عدد 5 ص79 ، مرجع الدكتور علي جعفر ، مرجع سابق،ص 78
[14]جعفر علوي: شرح القانون الجنائي العام فقها وقضاء، الطبعة 2010،ص297
[15]الدكتورة لطيفة مهداتي، مرجع سابق، ص24
[16] -  بوعزة صبراوي: مبدأ الشرعية وإشكالية التضخم الجنائي رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة السنة الجامعية 2005، جامعة عبد المالك السعدي
[17]-  جعفر علوي: شرح القانون الجنائي العام فقها وقضاء، الطبعة 2010.
[18]-  عبد الواحد العلمي شرح القانون الجنائي القسم العام ، مرجع سابق.
 19- لطيفة المهداني، حدود سلطة القاضي التقديرية على تنفيذ الجزاء،مرجع سابق..
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات