القائمة الرئيسية

الصفحات

عرض حول موضوع دفع المسؤولية المدنية

 عرض حول موضوع دفع المسؤولية المدنية

وسائل دفع المسؤولية المدنية وفق القواعد العامة


مقدمــــــــــة

تعتبر المسؤولية المدنية من أهم الموضوعات القانونية التي إهتم  بها الفقه والقضاء منذ بداية القرن العشرين ولا زال هذا الإهتمام في تصاعد مستمر نتيجة تفاقم المخاطر التي يتسبب فيها الإنسان بفعله أو بفعل الأشياء التي حراسته ، ومن صورها أنها قد تكون عقدية أو تقصيرية ، وقد أصبح هذا الإهتمام منصبا على هذه الأخيرة أكثر من أي وقت مضى ، ويرجع السبب إلى ذلك لعدة إعتبارات قانونية ، اقتصادية ، اجتماعية ، إذ أن هناك عوامل ساعدت بشكل إيجابي في تطور أحكام هذه المسؤولية من بينها ظهور مخاطر جديدة وإنتشار ضاهرة التأمين بمختلف أنواعه وإنتشار الأفكار الإجتماعية التي تهدف إلى حماية المضرور ، وفي إطار هذه المسؤولية إما أن يسأل الشخص عن فعله الشخصي أو عن فعل غيره ، وهو ما يسمى بالمسؤولية التقصيرة عن فعل الغير ، وهي إما أن تكون قائمة على الخطأ الواجب الإثبات { حالة مسؤولية رجال التعليم وموظفي الشبيبة والرياضة عن الأطفال والتلاميذ } أو أن تكون قائمة على افتراض الخطأ القابل لإثبات العكس .



ويندرج ضمن هذا الصنف من المسؤولية عن فعل الغير في إطار التشريع المغربي ، مسؤولية الأباء والأمهات عن الأضرار التي يتسبب فيها أبنائهم القاصرين .

وإذا ما أثيرت هذه الدعوى ضد الأبوين يمكنهما دفعها بالوسائل المتاحة قانونا . وتمتاز دعوى مسؤولية الأبوين كغيرها من دعاوى المسؤولية بكون المدعى عليه يملك نوعين من الدفوع ، دفوع شخصية خاصة به وأخرى تتعلق بالمسؤول عنه وهو القاصر في مثل هذه الحالة .

ودون الغوص في الإطار التاريخي لمسؤولية الأباء عن أفعال أبنائهم القاصرين فإنه مر بعدة مراحل عبر التاريخ .

مرحلة الرفض من خلال حمل الوالدين مسؤولية مطلقة غير قابلة للدحض ويعود سبب الرفض أيضا إلى التأثر بأحكام الفقه الإسلامي من خلال مبدأ عدم تحمل الإنسان وزر أفعال شخص اخر بالرغم من كون مبدأ عام يرد عليه نص خاص وهو قوله صلى الله عليه وسلام :" كلكم راعي وكلكم مسؤول عن رعيته " .

وثانيا مرحلة القبول والتكريس وذلك بموجب إدخال تعديلات جوهرية على نظام المسؤولية ، والتي أخذ بها المشرع المغربي في الفقرة الثانية من الفصل 85 من ق . ل . ع والأنظمة التي جعلت مسؤولية الأبوين تضامنية .

ولموضوع دعع الأباء لمسؤوليتهم عن أبنائهم القاصرين أهمية نظرية تكمن في تعدد النصوص العامة والخاصة التي يمكن للأب الركون إليها لدفع هذه المسؤولية , وأخرى عملية تكمن أساسا فس حاجة المدعي إلى التضييق من حالات دفع المسؤولية وحاجة المدعى عليه إلى التوسيع من حالات المسؤولية .

من هنا تبرز لنا الإشكالية المحورية للموضوع وهي :

إلى أي حد إستطاع المشرع المغربي أن يوازن بين مصلحة المدعي ومصلحة المدعى عليه في حالة دفع مسؤولية الأباء  على أفعال أبنائهم القاصرين ؟

للإجابة عن هذه الإشكالية إرتأينا تناولها في مبحثين :

المبحث الأول : وسائل دفع المسؤولية وفق القواعد العامة

المبحث الثاني : دفع المسؤولية بالوسائل المتاحة في القوانين الخاصة

المبحث الأول : وسائل دفع المسؤولية وفق القواعد العامة.

المطلب الأول: دفع المسؤولية عن طريق نفي شرط من شروطها

تقرر القاعدة العامة في المسؤولية المدنية ضرورة توفر ثلاثة شروط من أجل قيامها وهي: الخطأ والضرر والعلاقة السببية.

فكيف يمكن للآباء دفع مسؤوليتهم المدنية عن أفعال أبنائهم القاصرين بنفي كل من شرط الخطأ والعلاقة السببية؟

v   نفي الخطأ المفترض:

فالخطأ هو الإخلال الشخصي بالتزام قانوني قادر على تبنيه وتنفيذه[1] بالتالي فهو يقوم على عنصرين أساسيين هما العنصر المادي المتمثل في فعل التعدي والعنصر المتمثل في الإدراك والتمييز[2] وما دمنا أمام طفل قاصر غير مميز فإن العنصر الثاني يغيب فنجد أنفسنا أمام فعل لعدم توفر الإدراك فيه بالتالي فتكون المسؤولية في هذه الحالة مسؤولية بدون خطأ.

مما دفع بالمشرع إلى الاتجاه نحو المسؤولية المفترضة القائم على الخطأ المفترض في جانب الآباء. حيث نلاحظ أن المشرع المغربي أخذ بالنظرية الشخصية[3] هذه النظرية التي تقوم على الخطأ الشخصي للأبوين عند تكريسه للخطأ المفترض كأساس للمساءلة الآباء عن أفعال أبنائهم القاصرين.

وبالرجوع للفقرة 5 من نفس الفصل نجده ينص على أن المسؤولية في هذه الحالة تقوم الا إذا أثبت الأب والأم أنهم لم يتمكنوا من منع وقوع الفعل الذي أدى إليها" أي أن الأبوان يعفيان من المسؤولية بمجرد نفيهم للخطأ المفترض وذلك بإثبات إعطائهم التربية الحسنة وقيامه بالرقابة الضرورية للابن. فهي قرينة مزدوجة لا يكفي إثبات أحد الأمرين فقط بل لابد من إثباتهما معا.[4]

فالقانون فرض على الأبوين العناية بتربية أبنائهم تربية حسنة تجعلهم أعضاء صالحين في المجتمع[5]، فإذا ارتكب القاصر فعلا أضر بالغير فإن تصرفه هذا يعتبر قرينة على أنه تلقى تربية سيئة ولم يتم مراقبته من طرف الأبوين. كون الصغير غير المميز لا يقدر نتائج تصرفاته ولا يدرك الضار منها و النافع.

إلا أنه ما يمكن مؤاخذته على عنصري حسن التربية والرقابة أن الأول واجب عام من جهة لا تجمعه وقائع محددة واضحة المعالم الأمر الذي يجعل إثباته غير ممكن من الناحية الواقعية من جهة ومن جهة أخرى مدى ارتباط سلوك القاصر بالتربية التي يتلقاها من أبويه وهل هي المحدد الوحيد لسلوكه؟ فمن الصعب تأكيد ذلك كون أن سلوك القاصر مستمد من عدة عوامل كالوراثة والوسط الاجتماعي والمدرسة والإعلام وما إلى ذلك من عشرات العوامل والمؤثرات.[6]

أما العنصر الثاني فهو عنصر فضفاض يسمح معه أن نتساءل عن حدود هذه الرقابة.

فمثلا هل يجب على الأب أن يبقى بجوار القاصر وتتبعه خطوة خطوة وهل يمنعه من الخروج وحده أو زيارة أصدقاؤه؟ وهل يمكنه الدفع بالغيبة لظروف الشغل والعلاج أو أي سبب آخر؟ كلها أسئلة يجيب عنها الواقع التطبيقي المتشدد للقضاء في عدم قبول الحجج المعاكسة المقدمة من طرف الأبوين حيث يجعل الالتزام هنا التزاما بنتيجة بدلا من اعتباره التزاما بعناية؛ كما أن افتراض الخطأ في الجانب الأبوين تخفيف لعب إثبات المضرور. والدفع بنفيه عن طريق إثبات حسن التربية والمراقبة أو الغيبة هي دفوع لا تتسم بالجدية لمناقشتها. فالقانون يعتبر الأب مسؤولا إلى أن يثبت عدم استطاعته منع الفعل الضار[7] وهذا العبء في صيغته السلبية يخول للقضاء سلطة واسعة في تقدير الواقائع الإيجابية التي يثبتها الأب وهل هي كافية لنفي الخطأ المفترض.

v   نفي العلاقة السببية:

يمكن القول أن العلاقة السببية تقوم على نفس القرينة البسيطة التي تقوم عليها الخطأ المفترض، حيث يمكن للأبوين دفع مسؤوليتهما أعن أقوال أبنائهما القاصرين بنفي العلاقة السببية بين الخطأ المفترض وتصرف القاصر وذلك بإثبات عدم تمكنهم من منع وقوع الفعل بتدخل سبب أجنبي والمعروف في نظرية الالتزام هو القوة القاهرة والحادث الفجائي وخطأ المضرور وخطأ الغير[8].وتعتبر هذه الواقعة أجنبية عن الأب متى كانت غير راجعة إلى اختياره وإرادته.

المطلب الثاني : دفع المسؤولية  بإنعدام  شرط المساكنة و التقادم .

سنتناول في هذا المطلب وسيلة دفع المسؤولية بانتفاء شرط المساكنة من جهة (الفقرة الاولى)وكذا وسيلة الدفع بالتقادم من جهة أخرى (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى :الدفع بانتفاء شرط المساكنة.

ويقصد بشرط المساكنة بان يكون الطفل مقيما مع ولديهاقامة رسمية ،وهكذا يعني ان الأبوين اذا بعثا بابنهما الى دار للحضانة او مدينة بعيدة لمتابعة دراسته الأمر الذي اضطره إلى السكن بها فان الأبوان لايتحملان هذه   المسؤولية في الأوقات التي يكون فيها القاصر خارج عن سيطرتهما ومراقبتهما لان هذه السيطرة تكون قد انتقلت الى جهة أخرى [9].

وفي مقابل ذلك إذا ثبت أن الضرر قد تسبب فيه القاصر أثناء فترة العطل او الأعياد الرسمية التي يلتحق فيها القاصر بمنزل والديه يكون هناك ميدان لمساءلة الأباء طبقا لمقتضيات الفقرة الثانية من ق ل ع م .

ولا يعتبر شرط المساكنة منعدما إلا إذا كان انفصال القاصر عن أبيه أو أمه بسبب قانوني وذلك كانتقال الحضانة إلى الأم وفعل القاصر عن الأب نتيجة الحكم عليه  بسقوط السلطة الأبوية وتوقيف القاصر في السجن أو إيداعه في إحدى المؤسسات الخاصة بالأحداث المنصوص عليها في المادة 516ق م ج ، إلى غير ذلك من الحالات التي يفصل فيها القاصر عن أبويه بحكم القانون ، وقد تنعدم السكنى بإختيار  من الأبوين ولكن بسبب مشروع كإنتقال القاصر للدراسة أو تعلم حرفة ...[10].

فالقانون المغربي بصفة عامة – كالقانون الفرنسي – لم يقرر المسؤولية عن القاصر بصفته هذه كمبدأ إلا بالنسبة للأبوين وهي بذلكلا تنتقل إلى غيرهما و لا إحلال شخص محلهما بإتفاق أو بغيره.  وفي هذا الصدد يمكن التمييز بين حالتين: 1- حالة وجود القاصر مع شخص لايسأل عن الغير قانونا كالغريب أو الصديق الذي يقضي معه عطلته السنوية مثلا وهذا لا يحق للضحية مساءلة هذا الشخص عن أعمال القاصر وإنما يمكن فقط ان يتابعه شخصيا طبقا للفصل 77 و الفصل 78 ق ل ع م بإثبات الشخصي كوضع سلاح في يد الطفل أو إغرائه بإرتكاب الفعل الضار .2-حالة سكنى القاصر مع شخص مسؤول عن الغير قانونا ومفروض عليه مراقبة القاصر كالصانع و المتبوع . وفي هذه الحالة يحق للضحية الرجوع على الصانع و تالمتبوع لكن طبقا للقواعد التي تنظم مسؤولية هؤلاء عن الغير . ثم أنه  لا يكفي للإنعدام شرط المساكنة  الإنفصال المادي للقاصر في السكن ولو كان هذا الإنفصال قانونا بل لا بد من توفر شرك ثان وهو أن يتعذر عن الأبوين مراقبة ولدهما الذي لا يسكن معهما : وعليه إذا كان القاصر قريبا من أبيه تتأتى إليه مراقبته بقي الأب مسؤولا ولا يقبل منه دفع المسِؤولية بدعوى عدم سكنى ولده معه [11].

الفقرة الثانية : الدفع بالتقادم .

فالتقادم خلال المدة التي يحددها القانون يسقط الدعوى الناشئة عن الإلتزام و الدفع بالتقادم تختلف كيفية إثارته بإختلاف ما إذا كان المدعي هو الضحية أو الغير الذي أدى التعويض لهذا الأخير ثم أقام دعوى الرجوع عن الأب أو على الأم . فإذا كان المدعي هو الضحية فإن للأب وللأم التمسك بالتقادم الذي كان للقاصر الإحتجاج به لو رفعت الدعوى ضده شخصيا و هذا التقادم هو الذي تحدده أساسا المادة 106ق ل ع م ،والذي ينص على أن ' التعويض من جراء جريمة أو شبه جريمة تتقادم بمضي خمس سنوات تنتدئ من الوقت الذي بلغ فبه إلى علم الفريق المتضرر الضرر ومن هو المسؤول عنه ، وتتقادم في جميع الأحوال بمضي عشرين سنة تبتدئ من وقت حدوث الضرر ' . اما إذا كان المدعي هو الغير أي الشخص الذي أدى التعويض للضحية ثم أقام دعوى الرجوع عن الأب او الأم يكون للمدعي دعويان: دعوى شخصية و دعوى الحلول ، وتختلف الأولى عن الثانية من حيث فترة التقادم التي تخضع لها كل واحدة منها . فإذا إختار المدعي الدعوى الشخصية خضعت للتقادم المنصوص عليه في الفصل 387ق ل ع م ، ومدته خمسة عشرة سنة تبتدئ من تاريخ نشوء الإلتزام و على العكس من ذلك إذا إختار المدعي دعوى الحلول فإن للأبوين حق التمسك بالتقادم الذي كان لهما الإحتجاج  به في مواجهة الضحية نفسه (التقادم الخماسي المنصوص عليه في الفصل 106ق ل ع م ).

و أخيرا فإن التقادم لا يسقك الدعوى بقوة القانون بل يتعين على من له مصلحة فيه أن يحتج به وليس للقاضي أن يثيره تلقائيا وهو ما تنص عليه المادة 372 ق ل ع م ، ولكن بما ان الدفع بالتقادم هو دفع موضوعي فإنه تقبل إثارته في جميع مراحل التقاضي ، ولا يمكن الدفع بالتقادم لأول مرة أمام محكمة النقض ، لأن الدفوع التي لم تناقش أمام محكمة الموضوع لا تقبل إثارتها أمام محكمة النقض

المبحث الثاني : دفع المسؤولية بالوسائل المتاحة في القوانين الخاصة

المطلب الاول :  دفع المسؤولية المدنية للابوين عن  افعال ابنائهما القاصرين من خلال التمسك بسقوط الولاية  الشرعية 

كما سبق وقلنا ان الفقرة الثانية من الفصل 85 من ق ل ع اصبحت قاصرة عن استيعاب مستجدات القوانين الخاصة ومنها ان مسؤولية لها ارتباط وطيد بالولاية الشرعية المنظمة في المواد من 229 الى 276 من مدونة الاسرة وما دام ان المشرع في العديد من الحالات نص على سقوط النيابة الشرعية للابوين على ابنائهم القاصرين فانه يمكن للابوين التمسك بسقوط النيبة الشرعية عن ابنائه القاصرين لدفع المسؤولية فما هي الحالات التي تسقط فيها النيابة الشرعية ؟ .

هناك حالات منصوص عليها في القانون الجنائي، وحالات اخرى منصوص عليها في قانون كفالة الاطفال المهملين .

الفقرة الاولى :  الدفع بسقوط الولاية الشرعية وفق المدة 88 من القانون الجنائي .

قد نص الفصل 88 من القانون الجنائي على اسباب سقوط النيابة الشرعية ومن هذه الاسباب هي :

ان الاب قد يجرد منسلطته الابوية او ولايته الشرعية بقرار من المحكمة وذلك في حالة ما اذا ارتكب جناية او جنحة كما نص على ذلك الفصل 88 من القانون الجنائي سواء اكان في ذلك مساهما او فاعلا اصليا ضد اطفاله القاصرين ،والذي يستخلص منه على ان الاب قد تسقط عنه الولاية على ابنائه ، غير ان هذا السقوط قد يشمل جميع حقوق الولاية او بعضها كما يمكن ان يكون مقتصرا على على جميع الاولاد او على بعضهم ، ومن هنا  فاذا ما اقدم الابن القاصر بارتكاب فعل احدث ضررا بالغير فان الاب يمكنه ان يتمسك بالحكم الصادر ضده من المحكمة والذي اسقط عنه الولاية الشرعية ، وهذا الامر يعتبر منطقيا لانه لايمكن مؤاخذة الاب عن افعال وتصرفات تسبب فيها القاصر الذي هو ليس تحت عهدته ، كما انه ليس من العدل تحميله المسؤولية بعد سحب واسقاط النيابة الشرعية عنه ولا يمكن للمضرور مطالبته بعد سقوط النيابة الشرعية.

الفقرة الثانية : الدفع باسناد  كفالة الطفل لجهات اخرى وفق قانون كفالة الاطفال المهملين .

لقد نصت المادة الاولى من قانون كفالة الاطفال المهملين بان الطفل يعتبر مهملا اذا كان لم يبلغ 18 سنة شمسية كاملة ،اذا ولد من اب مجهول وام معلومة تخلت عنه .

اذا كان ابواه منحرفين ولا يقومان بواجبهما في رعايته وتوجيهه من اجل اكتساب السلوك الحسن .

فبعد الحكم بان الطفل مهمل وفق هذا القانون ، تسقط الولاية الشرعية للاب او الام ، وبالتالي يتم استاد كفالة الطفل المهمل لجهات اخرى اما عامة او خاصة .وبناءا على هذا كله فان الاب او الام لهما ان يدفعا المسؤولية عنهما بكون ان كفالة الطفل قد تم اسنادها الى جهات خاصة اخرى .

واوجه الغرابة في هذه الحالة هو ان الاب او الام اللذان يحرصان على تربية ابنائهما وتوجيههما تثار مسؤوليتهم بعكس الاباء المهملين الذين قد يتملصون من هذا  الدفع باعتبار انه تم اسقاط نيابتهم الشرعية عن ابنهم .

كما يجب التنبيه الى مسالة الغيبة ايضا المنصوص عليها الفقرة الثانية من المادة 238 من مدونة الاسرة نجدها تنص على انه من شروط انتقال الولاية للام بعد الاب هي حالة غيبة الزوج ، وهذا يعني النيابة الشرعية التي كانت ملقاة على عاتق الاب تنتقل الى الام في حالة غيبة الاب ، وبالتالي تصبح هي المسؤولة عن الافعال التي يرتكبها القاصر ضد الغير ولم يعد مسؤولا عنه ، وفي هذا الصدد يمكننا ان ننتهي بسؤال: هل الاب في حالة رجوعه من الغيبة يكون متضامنا مع الام عن افعال ابنائهما القاصرين الساكنون معهما الذين تسببوا في الحاق الضرر بالغير ؟.

المطلب الثاني : الدفاع الشرعي كوسيلة لدفع المسؤولية المدنية للأبوين عن أفعال أبنائهم القاصرين    

لقد اخد المشرع المغربي بحالة الدفاع الشرعي كوسيلة لدفع المسؤولية المدنية للاباء عن ابنائهم القاصرين بوجه عام والمسؤولية للابوين عن افعال ابنائهما القاصرين بوجه خاص من خلال الفصل الخامس والتسعون من قانون الالتزامات و العقود المغربي الدي ينص على انه " لا محل للمسؤولية في حالة الدفاع الشرعي او اذا كان الضرر نتج عن حدث فجائي او قوة قاهرة لم يسبقها او يصحبها فعل يؤاخذ به المدعى عليه" وقد عرفت الفقرة التانية من الفصل الخامس و التسعون من قانون الالتزامات والعقود حالة الدفاع الشرعي بكونها " تلك الحالة التي يجبر فيها الشخص على اعتداء حال غير مشروع موجه لنفسه او ماله او لنفس الغيراو ماله" وحالة الدفاع الشرعي تجد مرتعها الاساس في المادة خمسة وعشرون بعد المائة من القانون الجنائي المغربي, حيث حدد المشرع من خلاله الشروط الواجب توفرها في الدفاع الشرعي ليعتد به في دفع المسؤولية هذه الشروط تنقسم الى شروط يجب توفرها في فعل الاعتداء و اخرى في فعل الدفاع

شروط فعل الاعتداء

 ان يكون موجها ضد شخص الفاعل أو ماله أو ضد شخص الغير أو ماله أعتداء غير محق ، أما إذا كان الإعتداء محقا كأن أمر به القانون ، كمن يمارس عنفا ضد أعوان الشرطة لصد التدابير الإجبارية التي تطبق عليه ، لا يمكن ان يستفيد من حالة الدفاع الشرعي [12] .

 أن يكون فعل الإعتداء حالا ، أي أن يحدث فعل الإعتداء وفعل الدفاع في ان واحد ، أما إذا فات الخطر أو ارتكب الإيداء فإن الدفاع من أجل منعه يصير دون جدوى فالرد على العنف بعنف متأخر تحت تأثير الخوف أو الغضب أو الإنتقام لا يمكن أن يكون إلا عملا من اعمال العدالة الخاصة يمنعه القانون ، لأن الزجر عن الإعتداء يصبح حينئذ من حق المجتمع .

 ــ شروط فعل الدفاع

أن يكون ضروريا : أي أن يكون هو السبيل الوحيد لرد فعل الإعتداء فإذا كان للشخص سبيل أخر لتجنب الإعتداء دون حدوث فعل الدفاع واختار أن يواجه الإعتداء فإنه لا يكون في هذه الحالة في حالة الدفاع الشرعي .

أن يكون متناسبا مع خطر الإعتداء : فمن يغالي بإلحاق أضرار بالمعتدي تتجاوز خطر الإعتداء الذي كان مهددا به لا يعتبد في حالة دفاع شرعي [13]

فبتوفر هذه الشروط يمكن للأبوين دفع المسؤولية عنهم ، فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لحالة الدفاع الشرعي فإن حالة الضرورة لم يعتبرها المشرع سببا لدفع المسؤولية المدنية ، وعدم ذكر حالة الضرورة في قانون الإلتزامات والعقود ضمن أسباب إنتفاء الخطأ التقصيري لا يعني إستبعادها إطلاقا فهي وإن لم تؤدي إلى الإعفاء من كل المسؤولية فإنها على الأقل تعد سببا وجيها للتخفيف من حجم هذه المسؤولية متى توفرت شروطها [14]

المطلب الثالث: وسائل دفع المسؤولية المدنية للأبناء عن أفعال أبنائهم القاصرين بين الحاجة إلى التوسيع والتضييق.

يعد موضوع المسؤولية المدنية من أهم مواضيع القانون المدني فمن خلاله يتم تحديد المسؤول، فلا يمكن جبر الضرر دون هذا التحديد ولا يمكن اقتضاء التعويض دون أن يكون هناك شخص أو أشخاص يتحملون تبعة سلوكهم الخاطئ الذي ارتكبوه شخصيا أو الأشخاص الملزمون برقابتهم، ولكن المسؤولية كما لها بداية فإن لها نهاية، إذ يمكن أن تنقضي إما بالطريق الطبيعية وهي أداء التعويض أو بالطريقة الاستثنائية وهي دفع المدعى عليه هذه المسؤولية عن طريق الوسائل المتاحة له قانونا.

والمسؤولية المدنية للآباء عن أفعال أبنائهم القاصرين هي الأخرى استفادت من وسائل دفع المسؤولية، هذه الوسائل التي تمهد للآباء الطريق باعتبارهم مدعى عليهم لدفعها.

إلا أن ذلك يعتبر مهد المشاكل والتجاذبات بين مصلحتين مختلفتين الأولى مصلحة الآباء في التوسيع من هذه الوسائل المتاحة وفهمها في إطار فضفاض والثانية المتمثلة في مصلحة المضرور في التضييق منها.

فمصلحة الآباء في التوسيع من نطاق وسائل دفع المسؤولية راجع إلى التوسع الكبير للمشرع في الأخذ بالخطأ المفترض الأمر الذي يتساءل معه عن ما بقي من الأساس التقليدي للمسؤولية وهو الخطأ. إذ لا نكاد نشعر بالفرق بين مسؤولية لا تستند إلى خطأ أصلا ومسؤولية تستند إلى خطأ مفترض في جانب الآباء والذي صعب من الناحية الواقعية دفع المسؤولية بإثبات عكسه.

إضافة إلى أن الفعل الضار للأبناء يمكن أن يكون بصورة خاصة هو تلاقي عدة مصادفات لا دخل للآباء فيهما وغالبا ما يكون أحدها الظرف الفاعل عموما والأكثر بروزا في الضرر.

فإذا كانت مصلحة الآباء تكمن في التوسيع من وسائل دفع المسؤولية فإن ذلك يتحقق أساسا بإيجاد أساس جديد وحديث لربط هذه المسؤولية عوض السلطة الأبوية كأساس النيابة الشرعية والتي تعطي للآباء في حالات سقوطها حظوظا أكثر لدفعها.

في المقابل نجد مصلحة المضرور في التضييق والتشديد من هذه الوسائل، فإذا كان للشخص حق ذاتي في سلامة جسده وكيانه وأمواله فإن النيل من هذا الحق يؤلف مصدرا للتعويض يلقى على عاتق الآباء نتيجة الأضرار التي يلحقها أبناءهم القاصرون.

ولتحقيق ذلك وجبت الدعوة إلى أساس جديد يوائم روح العصر الذي نعيش فيه وتطور الحياة الاجتماعية للأسر والذي زاد من فرص إلحاق أبنائهم الأضرار بالأغيار، هذا الأساس المتمثل في تحمل التبعية ومؤداه أنه مادام الآباء هم المسؤولون عن أبنائهم القاصرين فعليهم تحمل تبعة ما يحدثونه للغير من إضرار بغير حاجة للبحث عما إذا كان هناك خطأ في جانبهم أم لا، فحتى إن لم يقع هذا الخطأ في جانب الآباء فإنه ليس من العدل التضحية بمصلحة المضرور.

فتنازع مصلحتين كل من الأب والمضرور في الحاجة إلى التوسيع أو التضييق من وسائل دفع المسؤولية ظل مجالا واسعا للاجتهاد القضائي الذي يسعى إلى الحسم في النزاع للوصول إلى حلول عادلة.

خاتمــــــــــــــــــــــة 

ومن خلال هذه الدراسة المتواضعة ، يتبين أن موضوع دفع المسؤولية المدنية للأباء عن أفعال أبنائهم القاصرين يحمل في ثناياه كومة من المشاكل والتعقيدات التي قد تقصف بحقوق الطرفين المدعي والمدعى عليه .

فتوسيع نطاق دفع المسؤولية حتما يضر بمصلحة أحد الطرفين وتضييقها سيلحق ضررا بالطرف الأخر ، ولتجاوز هذه الإشكاليات نرى أنه يجب إتخاذ مجموعة من الإجراءات من بينها :

ـ الحرص على تحقيق التوازن بين مصلحة المدعي ومصلحة المدعى عليه في دفع هذه المسؤولية في بعض الحالات القائمة على خطأ مفترض قابل لإثبات العكس .

ـ التخفيف من شرط المساكنة وعدم جعل إستقلال القاصر بسكناه الشخصية سببا لدفع المسؤولية .

-------------------------------------------------------------

[1]  الفصل 78 من قانون الالتزامات و العقود

[2]  -عبدالرازق السنهوري ، الوسيط في شرح القانون المدني  الجزء الأول ، نظرية الالتزام بوجه عام . دار النشر النهضة العربية، الطبعة 1964 ص1136

[3] الفقرة 2 من المادة 85 من ق.ل.ع

[4]  أحمد الخمليشي، المسؤولية المدنية للأبوين على أبنائهما القاصرين، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة 1 سنة 1982 ص 52

[5]  المادة 54 من مدونة الاسرة المغربية

[6]  عبدالمعين لطفي جمعة، موسوعة القضاء في المسؤولية المدنية التقصيرية والعقدية، الكتاب الأول،الجزء الثالث،، ص:2575

[7]  الفقرة 5 من الفصل 85 من قانون الالتزامات و العقود

[8]  عبد الحق الصافي دروس في القانون المدني مصادر الالتزام مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء سنة 2004 ص 171

[9] عبد القادر العرعاري ،المسؤولية المدنية ،مصادر الالتزام،الكتاب الثاني،الطبعة الثالثة 2014،ص159.

[10] أحمد الخمليشي ، المسؤولية المدنية للأبوين عن أبناءهم القاصرين ، مكتبة المعارف الرباط الطبعة الأولى 1982،ص181.

[11] أحمد الخمليشي : مرجع سابق ،ص186.

[12]  المعهد الوطني للدراسات القضائية ، القانون الجنائي في شروح ، منشورات جمعية التنمية للبحوث والدراسات القضائية ، ط الثانية 1997 ص 137

[13]  أحمد الخمليشي ، شرح القانون الجنائي ، القسم العام ، دار المعرفة ، ط الثانية 1999 ص 264

[14]  رشيد فطوش ، محاضرات في مادة المسؤولية المدنية ، السنة الجامعية 2014  2015ص 23

قد يهمك أيضا:

بحث حول موضوع مسؤولية العدول 

مفهوم العيب الموجب لتحمل المسؤولية المدنية في اطار مقتضيات القانون رقم 09-24 – دراسة مقارنة بالتشريعات الوضعية المعاصرة 

أحكام المسؤولية المدنية في القانون المصري والمغربي


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات